أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
144
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
قال تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر : 53 ] ، وتأمل قضية الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ، ثم سأل راهبا فقال له : هل لي من توبة ؟ فقال له : لا توبة لك ، فكمل به المائة ، ثم أتى عالما فسأله فقال له : من يحول بينك وبينها ( أي التوبة ) ولكن اذهب إلى قرية كذا ففيها قوم يعبدون اللّه فكن فيهم حتى تموت ، فلما توسط الطريق أدركه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى اللّه إليهم أن قيسوا القرية التي خرج إليها ، والقرية التي خرج منها فإلى أيهما كان أقرب ، فهو من أهلها ، فأوحى اللّه إلى القرية التي يريد أن تقاربي ، وإلى القرية التي خرج منها أن تباعدي ، فوجد أقرب إلى القرية التي يريد بشبر ، فأخذته ملائكة الرحمة ، والحديث في الصحيحين ، نقلته بالمعنى . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : العامة إذا خوّفوا خافوا ، وإذا رجّوا رجوا ، والخاصة متى خوّفوا رجوا ، ومتى رجّوا خافوا . قال في لطائف المنن : ومعنى كلام الشيخ هذا : أن العامة واقفون مع ظواهر الأمر ، فإذا خوّفوا خافوا ، إذ ليس لهم نفوذ إلى ما وراء العبارة بنور الفهم كما لأهل اللّه . وأهل اللّه إذا خوّفوا رجوا ، عالمين أن من وراء خوفهم وما خوفوا به أوصاف المرجو الذي لا ينبغي أن يقنط من رحمته ، ولا أن ييأس من منّته ، فاحتالوا على أوصاف كرمه علما منهم أنه ما خوفهم إلا ليجمعهم عليه وليردهم بذلك إليه ، وإذا رجوا يخافون غيب مشيئته ، الذي هو من وراء رجائهم ، وخافوا أن يكون ما ظهر من الرجاء اختبارا لعقولهم ، هل تقف مع الرجاء أو تنفذ إلى ما بطن في مشيئته ، فلذلك أثار الرجاء خوفهم انتهى . ودخل الجنيد رضي اللّه تعالى عنه على شيخه السري فوجده مقبوضا فقال له : ما لك أيها الشيخ مقبوضا ؟ فقال : دخل علي شاب فقال لي : ما حقيقة التوبة ؟ فقلت له : أن لا تنسى ذنبك ، فقال الشاب : بل التوبة أن تنسى ذنبك ،